عبد الوهاب بن علي السبكي

201

طبقات الشافعية الكبرى

وقد أفرط أبو عبد الله المازري في ذلك ظنا منه أن الإمام ينفي العلم بالجزئيات وأن كلامه هذا لا يحتمل غير ذلك ولا يقبل التأويل وقال أول ما نقدمه تحذير الواقف على كتابه هذا أن يصغي إلى هذا المذهب إلى أن قال وددت لو محوت هذا من هذا الكتاب بماء بصري لأن هذا الرجل له سابقة قديمة وآثار كريمة في عقائد الإسلام والذب عنها وتشييدها وتحسين العبارة عن حقائقها وإظهار ما أخفاه العلماء من أسراراها ولكنه في آخر أمره ذكر أنه خاض في فنون من علم الفلسفة وذاكر أحد أئمتها فإن ثبت هذا القول عليه وقطع بإضافة هذا المذهب في هذه المسألة إليه فإنما سهل عليه ركوب هذا المذهب إدمانه النظر في مذهب أولئك ثم قال ومن العظيمة في الدين أن يقول مسلم إن الله سبحانه تخفى عليه خافية إلى قوله والمسلمون لو سمعوا أحدا يبوح بذلك لتبرءوا منه وأخرجوه من جملتهم إلى قوله إذا كان خطابي مع موحد مسلم نقول له إن زعمت أن الله سبحانه تخفى عليه خافية أو يتصور العقل معنى أو يثبت في الوجود صفة أو موصوف أو عرض أو جوهر أو حقائق نفسية أو معنوية وهو تعالى غير عالم به فقد فارق الإسلام وإن كان كلامنا مع ملحد فنرد عليه بالأدلة العقلية قلت هذه العبارات من المازري تدل على أنه لم يفهم كلام الإمام أو فهم وقصد أن يشنع وهذا بعيد على الرجل فإنه من أئمة العلم والدين فالأغلب على ظني أنه لم يفهم وكيف يفهم كلام الإمام ولم يقصد التشنيع عليه من نسبته إلى اعتقاد الفلاسفة وأن الله سبحانه وتعالى تخفى عليه خافية أو أن العقل يتصور معنى والله عالم به أو يثبت في الوجود صفة أو موصوف أو جوهر أو عرض أو حقائق نفسية أو معنوية والرب غير عالم به أو أنه لا يعلم الجهات إلا على الوجه الكلي الذي هو مذهب الفلاسفة وقد بنى دليله كما سبق على أن الله عالم بكل شيء لا تخفى عليه خافية وأنه يعلم الأشياء